محمد بن جرير الطبري
250
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، " أولئك على هدى من ربهم " : أي على نور من ربهم ، واستقامة على ما جاءهم ( 1 ) . * * * القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 ) } وتأويل قوله : " وأولئك هم المفلحون " أي أولئك هم المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله تعالى ذكره بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله ، من الفوز بالثواب ، والخلود في الجنان ، والنجاة مما أعد الله تبارك وتعالى لأعدائه من العقاب . كما : - 294 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنا ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) أي الذين أدْركوا ما طلبوا ، ونجَوْا من شرّ ما منه هَرَبُوا . ومن الدلالة على أن أحد معاني الفلاح ، إدراكُ الطَّلِبة والظفر بالحاجة ، قول لبيد بن ربيعة : اعْقِلِي ، إِنْ كُنْتِ لَمَّا تَعْقِلِي ، . . . وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ عَقَلْ ( 2 ) يعني ظَفِر بحاجته وأصابَ خيرًا ، ومنه قول الراجز : عَدِمتُ أُمًّا ولَدتْ رِياحَا . . . جَاءَتْ بِهِ مُفَرْكَحًا فِرْكَاحَا ( 3 ) تَحْسِبُ أَنْ قَدْ وَلَدَتْ نَجَاحَا ! . . . أَشْهَدُ لا يَزِيدُهَا فَلاحَا يعني : خيرًا وقربًا من حاجتها . والفلاحُ مصدر من قولك : أفلح فلان يُفلح إفلاحًا وفلاحًا وفَلَحًا . والفلاح أيضًا : البقاءُ ، ومنه قول لبيد : نَحُلُّ بِلادًا ، كُلُّهَا حُلَّ قَبْلَنَا . . . وَنَرْجُو الْفَلاحَ بَعْدَ عَادٍ وَحِمْيَرِ ( 4 ) يريد البقاء ، ومنه أيضًا قول عَبيد : أَفْلِحَ بِمَا شِئْتَ ، فَقَدْ يُدْرَكُ بِالضَّ . . . - عْفِ ، وَقَدْ يُخْدَعُ الأَرِيبُ ( 5 ) يريد : عش وابقَ بما شئت ، وكذلك قول نابغة بني ذبيان : وَكُلُّ فَتًى سَتَشْعَبُهُ شَعُوبٌ . . . وَإِنْ أَثْرَى ، وَإِنْ لاقَى فَلاحًا ( 6 ) أي نجاحًا بحاجته وبَقاءً . * * *
--> ( 1 ) الخبر 293 - ذكره ابن كثير 1 : 81 مع تتمته الآتية : 294 . ( 2 ) ديوانه 2 : 12 ، والخطاب في البيت لصاحبته . ( 3 ) البيت الثاني في اللسان ( فركح ) . والفركحة : تباعد ما بين الأليتين . والفركاح والمفركح منه ، يعني به الذم وأنه لا يطيق حمل ما يحمَّل في حرب أو مأثرة تبقى . ( 4 ) ديوانه القصيدة رقم : 14 ، يرثى من هلك من قومه . ( 5 ) ديوانه : 7 ، وفي المطبوعة والديوان " فقد يبلغ " ، وهما روايتان مشهورتان . ( 6 ) من قصيدة ليست في زيادات ديوانه منها إلا أبيات ثلاثة ، ليس هذا أحدها . وشعوب : اسم للمنية والموت ، غير مصروف ، لأنها تشعب الناس ، أي تصدعهم وتفرقهم . وشعبته شعوب : أي حطمته من ألافه فذهبت به وهلك .